محمد بن جرير الطبري

72

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عن السدي : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إلى قوله : ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ الشهادة على الوصية قال : هذا في الوصية عند الموت يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ماله وعليه ، قال : هذا في الحضر : أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ في السفر إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ هذا الرجل يدركه الموت في سفره وليس بحضرته أحد من المسلمين ، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس ، فيوصي إليهما ويدفع إليهما ميراثه ، فيقبلان به ، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا مال صاحبهم تركوا الرجلين ، وإن ارتابوا رفعوهما إلى السلطان ، فذلك قوله : تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ قال عبد الله بن عباس : كأني أنظر إلى العلجين حين انتهى بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره ، ففتح الصحيفة فأنكر أهل الميت وخونوهما ، فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر ، فقلت له : إنهما لا يباليان صلاة العصر ، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما ، فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما ، ويحلفان بالله لا نشتري ثمنا قليلا ولو كان ذا قربى ، ولا نكتم شهادة الله ، إنا إذن لمن الآثمين ، أن صاحبهم لبهذا أوصى ، وإن هذه لتركته . فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا : إنكما إن كنتما كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما ، ولم لم تجزلكما شهادة وعاقبتكما ؛ فإذا قال لهما ذلك ، فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها . وأولى القولين في ذلك بالصواب عندنا ، قول من قال : تحبسونهما من بعد صلاة العصر الشهادة على الوصية ؛ لأن الله تعالى عرف الصلاة في هذا الموضع بإدخال الألف واللام فيها ، ولا تدخلهما العرب إلا في معروف ، إما في جنس ، أو في واحد معهود معروف عند المتخاطبين . فإذا كان كذلك ، وكانت الصلاة في هذا الموضع مجمعا على أنه لم يعن بها جميع الصلوات ، لم يجز أن يكون مرادا بها صلاة المستحلف من اليهود والنصارى ، لأن لهم صلوات ليست واحدة ، فيكون معلوما أنها المعنية بذلك . فإذ كان ذلك كذلك ، صح أنها صلاة بعينها من صلوات المسلمين . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم صحيحا عنه أنه إذ لاعن بين العجلانيين لاعن بينهما بعد العصر دون غيرها من الصلوات ، كان معلوما أن التي عنيت بقوله : تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ هي الصلاة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخيرها لاستحلاف من أراد تغليظ اليمين عليه . هذا مع ما عند أهل الكفر بالله من تعظيم ذلك الوقت ، وذلك لقربه من غروب الشمس . وكان ابن زيد يقول في قوله : لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً ما : حدثني به يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً قال : نأخذ به رشوة . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ اختلفت القراءة في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار : وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ بإضافة الشهادة إلى الله ، وخفض اسم الله تعالى ؛ يعني : لا نكتم شهادة الله عندنا . وذكر عن الشعبي أنه كان يقرؤه كالذي : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن ابن عون ، عن عامر ، أنه الشعبي كان يقرأ : وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ ، إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ بقطع الألف وخفض اسم الله . هكذا حدثنا به بن وكيع . وكأن الشعبي وجه معنى الكلام إلى أنهما يقسمان بالله لا نشتري به ثمنا ولا نكتم شهادة عندنا ، ثم ابتدأ يمينا باستفهام بالله أنهما إن اشتريا بأيمانهما ثمنا أو كتما شهادته عندهما لمن الآثمين . وقد روي عن الشعبي في قراءة ذلك رواية تخالف هذه الرواية ، وذلك ما : حدثني أحمد بن يوسف الثعلبي ، قال : ثنا القاسم بن سلام ، قال : ثنا عباد بن عباد ، عن ابن عون ، عن الشعبي ، أنه قرأ : وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ قال أحمد ، قال أبو عبيد : تنون شهادة ، ويخفض " الله " على الاتصال . قال : وقد رواها بعضهم بقطع الألف على الاستفهام . وحفظي أنا لقراءة الشعبي بترك الاستفهام . وقرأها بعضهم : " ولا نكتم شهادة الله " بتنوين الشهادة ونصب اسم " الله " ، بمعنى : ولا نكتم الله شهادة عندنا . وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب ، قراءة